ابن كثير

175

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وروى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بنحوه . ورواها أيضا عن حصين ، عن الشعبي ، عن قبيصة بنحوه . وذكرها مرسلة عن عمر بن بكر بن عبد اللّه المزني ومحمد بن سيرين بنحوه . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا شعبة عن منصور ، عن أبي وائل ، أخبرني ابن جرير البجلي ، قال أصبت ظبيا وأنا محرم ، فذكرت ذلك لعمر ، فقال : ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك ، فأتيت عبد الرحمن وسعدا فحكما علي بتيس أعفر . وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا ابن عيينة عن مخارق ، عن طارق ، قال : أوطأ أربد ظبيا فقتله وهو محرم ، فأتى عمر ليحكم عليه ، فقال له عمر : احكم معي ، فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر ، ثم قال عمر يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ، وفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين ، كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما اللّه . واختلفوا : هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم ، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل ، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة أو يكتفي بأحكام الصحابة المتقدمة ؟ على قولين ، فقال الشافعي وأحمد : يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة ، وجعلاه شرعا مقررا لا يعدل عنه ، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين . وقال مالك وأبو حنيفة : بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا ، لقوله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ . وقوله تعالى : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أي واصلا إلى الكعبة ، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم ، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة . وقوله أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً أي إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم ، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال ، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وأحد قولي الشافعي ، والمشهور عن أحمد ، رحمهم اللّه ، لظاهر « أو » بأنها للتخيير ، والقول الآخر أنها على الترتيب ، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة ، فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم . وقال الشافعي : يقوم مثله من النعم لو كان موجودا ، ثم يشترى به طعام فيتصدق به فيصرف لكل مسكين مد منه ، عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز ، واختاره ابن جرير ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يطعم كل مسكين مدين ، وهو قول مجاهد . وقال أحمد : مد من حنطة أو مدان من غيره ، فإن لم يجد أو قلنا بالتخيير ، صام عن إطعام كل مسكين يوما . وقال ابن جرير : وقال آخرون : يصوم مكان كل صاع يوما كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه ، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقا بين ستة ، أو يصوم ثلاثة أيام ،

--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 50 .